وصول السالزيان إلى الشرق الأوسط
في ٢٦ أيار/مايو ١٨٨٦، كان المجلس الإداري للجمعية السالسيّة يعقد جلسة في تورينو برئاسة دون بوسكو، حينما بدأ القدّيس يتحدّث عن مشروعٍ كان يصبو إليه منذ بعض الوقت، وهو إرسال أبنائه إلى إفريقيا. وها هو الآن يتسلّم اقتراحًا لفتح مدرسة في القاهرة لأجل أولاد الجالية الإيطالية في مصر. وكان الاقتراح صادرًا من وزير الخارجية الإيطالية، يؤيّده القاصد الرسوليّ والنائب الرسوليّ في مصر.
شعر دون بوسكو بأنّ حُلمه كاد يتحقّق، وخاطب أعضاء المجلس بهذه الكلمات:
«لي رغبةٌ في الموافقة، وسأبعث إلى القاهرة بعضَ الرهبان حالما أستطيع. أمّا الآن، فسأُرسل إلى القاهرة واحدًا منّا، ليرى عن كثبٍ، ويقوم بالإجراءات اللازمة. سنُحاول أن يكون الانطلاق قريبًا… أقول لكم صراحةً إنّ هذه الرسالة هي إحدى مشاريعي، وحُلمٌ من أحلامي. فلو كنتُ شابًّا، لأخذتُ معي دون روا، وقلتُ له: “تعال نذهب إلى رأس الرجاء الصالح، أو إلى الخرطوم، أو إلى البحر الأحمر… حيث نؤسّس بيتًا للمبتدئين، لأنّ الهواء هناك جيّد”».
كان يبدو أنّ الوقت قد حان لتسير الأمور على خير ما يُرام وتتحقّق بسرعة، إلا أنّ إقالة الوزير من الحكومة أدّت إلى تعطيل المشروع.
الأب أنطون بلّوني

لم تكن هذه المحاولةُ الأولى للانفتاح على الشرق الأوسط؛ فمنذ سنة ١٨٧٥، كان قد توجّه إلى دون بوسكو أحدُ كهنة البطريركية اللاتينية في أورشليم، هو الأب أنطون بلّوني، الإيطاليُّ المولد، طالبًا منه أن يُرسل أبناءه إلى الأرض المقدّسة.
كان هذا الكاهن الغيور قد أنشأ ميتمًا ومدرسةً مهنيّةً في بيت لحم، وكان يخطّط لفتح مراكزَ مماثلةٍ أخرى. ثمّ، للعناية بهذه المشاريع، أسّس “جمعيّة العائلة المقدّسة” المؤلّفة من كهنةٍ وإخوةٍ، والخاضعةِ لولاية البطريرك اللاتيني الأورشليمي، غير أنّها لم تزدهر كما تمنّاها الأب بلّوني.
لذلك، بدأ يُفكّر كيف يضمن مستقبل مؤسّساته، فعلم ما يقوم به دون بوسكو في إيطاليا، ورأى فيه منفذًا ومؤازرًا. ولكنّ دون بوسكو رفض في البداية، لقلّة عدد رهبانه وكثرة مشاريعه. ثمّ، عندما عاد إليه الأب بلّوني سنة ١٨٨٧، وعده بقبول طلبه في المستقبل.
وبالواقع، تمّ الاتّفاق عام ١٨٩٠، أي بعد وفاته بسنتين. فأبلغ الأب بلّوني المحسنين إليه بهذه الكلمات:
«تعلمون أنّي، بعد تثبيت الكرسيّ الرسوليّ وغبطة بطريركنا الجزيل الشرف، تمكّنتُ من استدعاء أولاد دون بوسكو الغيورين لمؤازرتي، وذلك لأضمن مشروعي من طوارئ المستقبل، ومنحتُهم حقّ الخلافة في كلّ مشاريعي. وقد رضي الأب روا، رئيسُ جمعيّة السالسيين العامّ، أن يبقى جميع المشتغلين من كهنةٍ وإخوةٍ وبناتِ مريمَ على الحالة الحاضرة الآن، فيُحفظ مشروعُنا اسمَه ونوعَ تدبيره، ويقصد الآباءُ السالسيّون مساعدتَنا ومؤازرتَنا لا غير. وبعد أن رفعنا صلواتٍ حارّةً إلى الربّ عزّ وجلّ، وبعد التبصّر والتأمّل، بالاشتراك مع أشهر إخوتي، عزمتُ على الاتّحاد بجمعيّة السالسيين، لأني أرى العائلة الصغيرة (أي رهبنة العائلة المقدّسة)، مع جزيل رغبتها واهتمامها، قاصرةً، دون معاونة، عن تدبير شؤون المشروع».


