الأب أنخل فرناندز أرتيمه,ّالتوجيه الرسوليّ السالسي,سالزيانيات
التوجيه الرسولي للرئيس العام الأب أنخل فرناندز أرتيمه 2021
الرجاء يَدفعُنا هاءَنَذا أجعل كل شيء جديدًا (سفر الرؤيا 21: 5)
كتابة
الرئيس العام الأب باسكوال شافيز نقلها للعربية الأب فيتوريو بوتسو السالسي
موجّه
للشبيبة السالسية
نُشر في
9 يوليو 2020

-
-
-
-
١. واقع عالمي يتحدّانا ولا يمكننا تجاهله
إذ أُفكّر في التوجيه الذي يمكن أن يوحّدنا كأسرة سالسيَّة في هذا العام 2021، فإنه من المستحيل أن لا نأخذ في الاعتبار أن جميع الدول ظلّت لِأشهر عديدة، إلى حدّ كبير أو أقل، محجوزة، إن لم تكن مشلولة (على الرغم من أن العديد منها هكذا كانت).
لا يمكننا السفر، لم نتمكن من الاحتفال ببعض الأحداث على الصعيدَين الدولي والعالمي. عادت “القرية العالمية” مرة أخرى، وهكذا ستكون بالتأكيد لبعض الوقت، اتحادَ العديد من “القرى” التي تنظر إلى بعضها البعض بعين الشُبْهة. لقد سقطت الجدران، ولكن الحدود بين الدول قد تعززت أكثر في سبيل “الحماية الذاتية”.
في مواجهة هذا الواقع، يمكننا أن نكرّر آلاف أقوال مَفادها أن هذه الحالة سنتغلب عليها، وأنه يجب أن نثق بأنفسنا، وأننا أقوياء، وأن عِزّة كل أُمّة قد تغلَّبت على حالات أسوأ، إلخ. العديد من هذه الأقوال، التي تعبّر عن عقلية وعن طريقة لتفسير الأحداث الجارية، لها الكثير من ادعاء البطل الأسطوري اليوناني (بروميثيوس) القادر على إعادة بناء نفسه واستمداد قوة من ضعفه للتغلب على الشدائد. إنّها عقلية وثنية جدًّا.
العديد من هذه الأقوال لا علاقة لها بمعنى الحياة، وبمعنى كل حياة، ولا علاقة بالله وبمسيرة حياتنا اليوم.
ولكن هذه ليست رؤيتنا، ولا الرسالة التي نريد أن نوجّهها في الأماكن العديدة التي نحن فيها كعائلة سالسيّة.
هذه هي رسالتنا التي تؤكد من جديد أنه في مواجهة هذا الواقع القاسي والمؤلم مع عواقبه الثقيلة ما زلنا نعبّر عن اليقين بأننا نعيش بدافعٍ من الرجاء: لأن الله بروحه لا يزال يجعل “كل شيء جديدا”.
دعا البابا فرنسيس العالم إلى أن نُعْدي أنفسنا بـ “الأجسام المضادّة الضرورية للعدالة والإحسان والتضامن”1 لإعادة البناء (بناء الانسان) بعد أيام الجائحة.
لا يمكن إنكار مقدار الألم الذي يُعانَى منه في العالم الآن. ولا يمكن إنكار عدد الملايين من الفقراء الذين أصيبوا بالجائحة وفقدوا حياتهم. إذا كنا مدعوين للحفاظ على المسافة الآمنة، كيف يمكننا أن نتصور أن الأشخاص المكدسين في الأحياء الفقيرة، أو بالقرب من مدافن النفايات، يمكن أن تحترم التباعُد الاجتماعي؟ ففقدان الوظائف يؤثر على ملايين الأسر؛ والحداد الذي لا يمكن القيام به يترك الملايين من القلوب في الألم، والفقر الذي يلوح في الأفق (والجوع في بعض الأحيان)، الإضرابات، كلها أمور تُذْهِل، وتشلّ وتُهدّد بدفن كل أمل.
٢. دون بوسكو ليس بعيدا عن هذه الحالات، لأنه اختبرها وعاشها هو نفسه
ننظر إلى دون بوسكو لأنه طوال حياته كان عليه أن يواجه قسوة حالات عديدة، وكثيرًا من المآسي والألم. إنه يعلّمنا أنّ مسيرة الإيمان والرجاء لا تضيء فحسب، بل تعطي القوة اللازمة لتغيير الظروف غير المواتية أو السلبية، أو على الأقل للحدّ منها قدر الإمكان. لقد تميّز بعزم استثنائي وبرؤية واقعية خاصة وعميقة. فكان ينظر إلى ما هو أبعد من المشاكل. وكان وباء الكوليرا ظرفًا محلّيا مماثلا للظروف التي نراها في كل بلد. وكمربٍّ وكاهن، رافق هذه الظروف مع شبابه. في حين كان هناك أشخاص يهتمّون فقط بأنفسهم واحتياجاتهم، دون بوسكو وأولاده ، مثل العديد من الآخرين ، “وقفوا أنفسهم” للمساعدة في التغلب على المأساة. يمكننا القول إن هذه الرؤية العميقة للإيمان والأمل قد تجلّت طوال حياته: عندما ترك أمّه وبيته في سبيل الدراسة ليعيش كـ “خادم” في مقهى “بيانْتا” (Pianta) في كييري (Chieri)، أو عندما كان يبكي ويعاني لعدم معرفة أين يذهب ويستقبل أولاده في فترة ما بعد الظهر في الأوراتوريو حتى لقائه مع جوزيبي Pinardi … كل هذا يؤكد كيف عاش دون بوسكو بتأثير فضيلة الأمل.
٣. حركة وتأثير الروح له القدرة على “ان يجدّد كل شيء” (رؤيا 21:5)
إن الإيمان المسيحي يُظهر باستمرار كيف أن الله، من خلال روحه، يرافق تاريخ البشرية، حتى في الظروف الأكثر سلبية وغير المواتية. إِن الله لا يعاني ولكنه ذو الرحمة، وفقا للتعبير الجميل للقديس برناردس2. في تاريخ الخلاص لا يتخلى الله عن شعبه أبداً، فهو يبقى دائماً متحدًّا معه، خصوصًا عندما يصبح الألم قويًا جدًّا: “هاءَنَذَا آتي بالجديد ولقد نبت الآن أَفَلا تعرفونه؟ (أشعيا 43:19)3.
هذه الظروف سوف تكون بلا شك ملائمة لنشعر بمعاناة العديد من الناس؛
ونهتمّ بالكثير من الأوبئة المستمرة والصامتة مثل الجوع الذي يعاني منه الكثيرون، مثل التواطؤ في الحروب، وأنماط الحياة التي تُثري بعض الناس وتُفقِر الملايين من الناس:
ونسأل أنفسنا هل يمكننا أن نعيش – من منا يملك أكثر – مع نمط حياة أكثر زُهْدًا وتقشفًا؛
وأن نعتبر بجدية أن عالمنا، والخلْق كله، يعاني ويمرض، في حين أن هذا الواقع يُنكَر باستمرار؛
وأن ندرك مدى أهمية “توحيد الأسرة البشرية بأسرها في البحث عن تنمية متكاملة ومستدامة”4.
٤. قراءة سالسية للظروف الراهنة
هناك العديد من القراءات التي تمت لهذه الفترة التاريخية، فترة تحدُث – كما يقال – كل مائة عام، مع أزمات كبيرة تضرب البشرية لسبب أو لآخر. وحتى الحروب أكثر دموية لم تكن “عالمية/شاملة” مثل الحالة التي نمرّ بها.
على كل حال، ما هي الإجابة التي يمكن أن نعطيها؟ ما هي المساهمة التي يمكن أن نقدمها كعائلة سالسية؟ ما هي القيم الإنجيليه، المقروءة من منظور سالسي، التي يمكننا تقديمها؟ كيف يمكننا، كمربّين، أن نقدم، كبديل، “التربية على الرجاء”؟
مناهج بديلة للثقافة السائدة. تغيير القيم والرؤية:

- من الانغلاق إلى الانفتاح
- من الفردوية إلى التضامن
- من الانعزال إلى اللقاء الحقيقي
- من الانقسام إلى الوحدة والشركة
- من النظرة التشاؤمية إلى الرجاء
- من الفراغ وعدم معنى الحياة إلى التسامي
إن الله يكلّمنا من خلال أشخاص عاشوا بالرجاء:
- في ظروف قاسية لا يزال الله يكلّمنا من خلال قلوب أشخاص يرون ويجيبون بشكل فريد ومختلف
- أسرتنا السالسية غنية بقديسين عاشوا بالرجاء (الطوباوي اسطفان سَنْدُر والراهبة مورانو)
لا نخلص بمفردنا، لا أحد يخلص لوحده!
إن معنى ما أريد أن أعبّر عنه وارد في هذا الاقتباس من البابا فرنسيس: “إذا كان هناك شيء واحد تمكَّنَّا من تعلمه في كل هذا الوقت، فهو أن لا أحد ينقذ حياته وحده. تسقط الحدود، تنهار الجدران، يذوب كل خطاب أصولي أمام حضور يكاد يكون غير محسوس، يُظهِر هشاشة كياننا… إنّ نفْخ الروح هو الذي يفتح الآفاق، يوقظ الإبداع ويجددنا في الإخاء ليجعلنا حاضرين (أو تجعلنا نقول: “ها أنا ذا”) أمام المهمة الكبيرة والمُلِحّة التي تنتظرنا. من الملحّ أن نستشف نبض الروح ونحسّه لكي نعطي، مع الآخرين، زخمًا للديناميات التي يمكن أن تشهد الحياة الجديدة التي يريد الربّ أن يولّدها في هذه اللحظة الواقعية من التاريخ5.
- كعائلة سالسية حاولنا إعطاء إجابات في وقت الطوارئ كعلامة على الإحسان والمحبة والرجاء، واليوم يجب أن نكون ونعبّر عن خَيارات بديلة وفعّالة:
- بمرافقة الشباب في مسيرة الحياة من خلال انفتاحهم على آفاق أخرى، على وجهات نظر جديدة.
- أن نتعلم أن نعيش “في حدود” داخل مجتمع “لا حدود له”. أي مساعدة الشباب والبالغين على اكتشاف “الحياة الطبيعية” في البساطة والأصالة والزُهْد والعمق.
- أن نستجيب لِأصوات الرجاء العديدة للشباب في الأوقات الصعبة: الحركة البيئية، والتضامن مع المحتاجين.
٥. أماكن يمكننا أن نتعلّم الرجاء ونروّض أنسفنا عليه
- الإيمان والرجاء يسيران معًا. نقترح الإيمان كمسيرة حقيقية لأن “العالم بدون الله هو عالم بلا رجاء” (الرسالة إلى أهل أفسس 2: 12).
- الصلاة كمدرسة للرجاء واللقاء الشخصي مع محبة يسوع المسيح مخلّصنا
- العمل، والتعب في الحياة اليومية، إذ إن، في نهاية المطاف، عندما يتحرك الإنسان، ويعمل على تحويل الوضع، يعتمد دائما على أمل يسانده. “كل عمل مهمّ وصالح للإنسان هو رجاء يتحرك”6.
- المعاناة والألم الموجودان في كل حياة بشرية كباب ضروري للانفتاح على الرجاء. في العديد من الثقافات يُحاوَل بكل الطرق إخفاء المعاناة والموت أو إسكاتهما. ومع ذلك، فإن ما يسمح للإنسان بالشفاء ليس تجنُّب هذه المعاناة وهذا الألم أو إخفاؤهما ، ولكن النضج فيهما وإيجاد معناهما في الحياة عندما لا يكون ذلك مرئيًا على الفور أو بسهولة. والواقع أن “عظمة البشرية تتحدد أساسًا من خلال علاقتها بالمعاناة ومع أولئك الذين يتألّمون”7.
- الفقراء والمستبعَدون، الذين هم في صميم اهتمام الله، يجب أن يكونوا مستهدَفينا المتميّزين كأسرة سالسية.
- في الأزمات الأكبر تختفي أشياء كثيرة، “أنواع الأمن” التي كنا نظن أنها لدينا، ومعاني الحياة التي، في الواقع، لم تكن من هذا القبيل. ولكن، في الواقع، تبقى القيم العظيمة للإنجيل وحقيقته، عندما تفشل الفلسفات والأفكار الانتهازية أو اللحظية/الآنيّة. قيم الإنجيل لا تتلاشى، ولا تذوب ولا تختفي.
- لهذا السبب، كأسرة دون بوسكو السالسية، لا يمكننا التخلي عن إظهار ما نؤمن به، لا يمكننا أن نفقد هويتنا الكاريزمية في الإجابات التي يجب أن نعطيها أمام أي ظرفٍوأية حالة كانت.
٦. مريم، والدة الله، نجمة الأمل
مريم، الأمّ، تعرف جيدا ما معنى الثقة والرجاء، على خلاف أي رجاء، بالاتّكال على الرب.
عنما قالت “نعم” أيقظت الأمل في البشرية.
إنها اختبرت العجْز والوحدة في ولادة ابنها وحفظت في قلبها خبر ألمٍ سوف ينفُذ نفسها (لوقا 2: 35)؛ اختبرت الألم إذ رأت ابنها “آية معرّضة للرفض”، معرضًا لإساءة الفهم وغير مقبول.
لقد عاينت العداء والرفض تجاه ابنها حتى أدركت عند صليبه على الجلجلة أن الرجاء لن يموت. لهذا السبب بقيت مع التلاميذ كأمّ الأمل: “أيتها المرأة، هذا ابنكِ (يوحنا 19: 26).
يا قديسة مريم، يا والدة الله وأُمَّنا، علّمينا أن نؤمن، أن نترجّى ونحِبَّ مثلك. أظهِري لنا الطريق إلى الملكوت.
يا نجمة البحر، تَلَأْلَئِي في حياتنا واهدينا في مسيرتنا”.
آمين.
روما 2 آب 2020
الأب أنخِل فيرناندز أرتيمه
الرئيس العام للسالزيان في العالم
-
-
-


