البابا فرنسيس,رسائل الباباوات,وثائق كنسية
الأخوّة الأساس والطريق للسلام
رسالة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي السابع والأربعين للسلام
كتابة
البابا فرنسيس
موجّه
إلى الكنيسة جمعاء
نُشر في
9 يوليو 2020

إليكم فيما يلي النص الكامل للرسالة:
في رسالتي الأولى بمناسبة اليوم العالمي للسلام، أرغب بأن أوجّه للجميع، أفرادًا وشعوبًا، الدعاء لحياة مليئة بالفرح والرجاء. في قلب كل رجل وامرأة تسكن، في الواقع، الرغبة في حياة مليئة تتميّز بشوق، لا يمكن قمعه، للأخوّة التي تدفعنا نحو الشركة مع الآخرين الذين نجد فيهم لا أعداء ولا منافسين وإنما إخوة لنقبلهم ونعانقهم. في الواقع، تشكل الأخوّة بعدًا أساسيًّا للإنسان، الذي هو عبارة عن كائن علائقي. واليقين الحيّ لهذه العلائقيّة يحملنا لنرى ونعامل كل شخص كأخت حقيقيّة وأخ حقيقيّ، وبدون هذه العلائقيّة يصبح من المستحيل بناء مجتمع عادل وسلام صلب ودائم. من الأهميّة بمكان أن نذكّر فورًا بأننا نبدأ عادة بتعلم الأخوة في كنف العائلة، وخصوصًا بفضل أدوار أفرادها المسؤولة والمتكاملة، ولاسيما أدوار الأب والأم. فالعائلة هي مصدر كل أخوّة ولذلك فهي أيضًا الأساس والطريق الأولي للسلام، إذ أنها، وبحسب دعوتها، عليها أن تُعديَ العالم بمحبّتها.
إن العدد المتزايد للمواصلات والرسائل التي تغمر عالمنا يجعل أكثر حسيًّا اليقين بالوحدة والمشاركة في مصير مشترك بين أمم الأرض. فعبر التاريخ كما في تعدد الإثنيات والمجتمعات والثقافات، نجد بذور الدعوة لتشكيل جماعة مؤلفة من إخوة يقبلون بعضهم البعض ويعتنون ببعضهم البعض. لكن هذه الدعوة، غالبًا ما يعيقها الواقع وينكرها لاسيما في يومنا هذا، في عالم تميّزه “عولمة اللامبالاة” التي تجعلنا “نعتاد” ببطء على ألم الآخر وتغلقنا على أنفسنا. وفي أنحاء كثيرة من العالم، يستمرّ الأذى الكبير الذي يطال الحقوق البشريّة الأساسيّة، وخصوصًا حق الحياة وحق الحريّة الدينيّة. والظاهرة المأساويّة للإتجار بالكائنات البشريّة التي يستغل أشخاص يفتقرون لضمير حيّ حياتها ويأسها، تشكل مثالاً مقلقًا. وعلى الحروب القائمة على نزاعات مسلحة تُزاد تلك الحروب الأقل وضوحًا ولكنها بذلك لا تقل وحشيّة، وهي الحروب الاقتصادية والمالية تستخدم فيها أدوات مدمّرة للحياة والعائلات والأعمال.
إن العولمة، كما أكّد البابا بنديكتوس السادس عشر، تقرّبنا لكنها لا تجعلنا إخوة. بالإضافة إلى أن العديد من حالات التباين والفقر والظلم لا تشير فقط إلى نقص عميق في الأخوة، وإنما إلى غياب ثقافة التضامن أيضًا. والإيديولوجيات الجديدة التي تتميّز بفردانيّة منتشرة وأنانيّة واستهلاكيّة ماديّة تضعف الروابط الاجتماعيّة مغذيةً ذهنيّة “الإقصاء” التي تقود إلى احتقار ونبذ الأكثر ضعفًا والذين يُعتبرون “بلا فائدة”. هكذا يصبح التعايش الإنساني أشبه بـ “تبادل خدمات” برغماتي وأناني. في الوقت عينه، يظهر جليًّا أيضًا أن الأخلاقيات المعاصرة تعجز عن تحقيق أواصر أخوّة حقيقيّة، لأن الأخوّة التي تفتقد إلى مرجعيّة أب مشترك، يكون أساسها الجوهري، لا يمكنها أن تستمرّ. لأن الأخوة الحقيقية بين البشر تتطلب أبوة متسامية. وبالاعتراف بهذه الأبوّة، تتوطّد الأخوة بين البشر ويصبح كلٌّ منا ذلك “القريب” الذي يهتم بالآخر.
“أين أخوك؟” (تكوين 4، 9)
لنفهم بشكل أفضل دعوة الإنسان هذه للأخوّة، ولكي نتعرف بشكل أنسب على العوائق التي تقف حاجزًا في تحقيقها ونحدد الطرق لتخطيها. من الأهميّة بمكان أن تقودنا معرفة مشروع الله الذي يقدمه لنا الكتاب المقدس بشكل بارز. بحسب رواية الخلق يتحدّر البشر جميعًا من والدَين مشترَكين، آدم وحواء، اللذين خلقهما الله على صورته ومثاله (راجع تكوين 1، 26)، واللذين وَلدا قايين وهابيل. نقرأ في قصة هذه “العائلة الأولى” بداية المجتمع وتطور العلاقات بين الأشخاص والشعوب.
كان هابيل راعي غنم، وقايين يحرث الأرض، لكن هويتهما العميقة ودعوتهما هي بأن يكونا إخوة، بالرغم من اختلاف نشاطهما وثقافتهما وطريقة تعاطيهما مع الله والخليقة. لكن قتل قايين لأخيه هابيل يشهد مأساويًّا على الرفض الجذري للدعوة إلى الأخوّة. وقصتهما (راجع تكوين 4، 1- 16) تظهر المهمة الصعبة التي دعي إليها جميع البشر، ليعيشوا متحدين ويعتنوا الواحد بالآخر. فقايين، بعدم قبوله لتفضيل الله لهابيل الذي قدم له الأفضل من بين غنمه – “نظر الرب إلى هابيل وتقدمته، وإلى قايين وتقدمته لم ينظر” (تكوين 4، 3- 5) – قتل هابيل حسدًا. بهذا الشكل رفض الاعتراف بأنه أخ وأن يتواصل بإيجابية معه، ويعيش أمام الله آخذًا على عاتقه مسؤولياته بالإعتناء بالآخر وحمايته. وعلى السؤال: “أين أخوك؟”، الذي به سأل الله قايين، أن يتحمّل مسؤولية تصرّفه، أجاب: “لا أعلم. أحارس لأخي أنا؟” (4، 9). ومن ثمّ يخبرنا سفر التكوين أن “قايين خرج من أمام الرب” (4، 16).
علينا أن نتساءل حول الأسباب العميقة التي دفعت قايين لعدم الاعتراف برابط الأخوة ورابط التبادل والشركة الذي كان يربطه بأخيه هابيل. فالله نفسه قد أدان قايين ووبّخه على اقترانه بالشر: “الخطيئة رابضة عند بابك” (تكوين 4، 7). لكن قايين رفض أن يتصدّى للشرّ و”وثب على هابيل أخيه فقتله” (تكوين 4، 8) محتقرًا بذلك مشروع الله. وبهذا خان دعوته الأساسية في أن يكون ابنًا لله ويعيش الأخوّة. تعلّمنا قصة قايين وهابيل أن البشرية تحمل في داخلها الدعوة للأخوة ولكنها تحمل أيضًا الإمكانيّة المأساوية لخيانتها. تشهد على ذلك الأنانيّة اليوميّة التي تقوم في أساس العديد من الحروب والظلم: إذ يُقتل العديد من الرجال والنساء بأيدي إخوتهم وأخواتهم الذين لا يعترفون بهم كإخوة لهم، أي ككائنات خُلقت للتبادل والشركة والعطاء.
تابع القراءة بتحميل الملف
-
-
-
-
1. كتب القدّيس فرنسيس الأسيزي “Fratelli tutti”موجّهًا كلامه إلى جميع الإخوة والأخوات، مقترحًا عليهم أسلوب حياة فيه نكهة الإنجيل. أريد اليوم أن أسلّط الضوء على إحدى تلك النصائح التي يدعو فيها إلى حبٍّ يتخطّى حدود الجغرافيا والمكان. يعلن فيها سعادة الشخص الذي يحبّ أخاه “سواء كان بعيدًا عنه أم قريب”. فقد أعرب بهذه الكلمات الوجيزة اليسيرة، عن جوهر أخوّة منفتحة، تسمح بأن نعترف بكلّ شخص ونقدّره ونحبّه متخطّين القرب الجسدي، أو مكان الميلادِ أو الإقامةِ.
2. يعود مجدّدًا هذا القدّيس المعروف بالحُبِّ الأخويّ والبساطة والفرح، الذي ألهمني لكتابة الرسالة العامة كن مسبّحا، فيحفّزني على تكريس هذه الرسالة الجديدة للأخوّة والصداقة الاجتماعية. لأن القدّيس فرنسيس، الذي شعر أنه شقيق الشمس والبحر والرياح، كان يعلم أنّ اتّحاده بالذين كانوا يشاركونه بشريّته هو أعظم من ذلك. فزرع السلام في كلّ مكان وكان في مسيرته قريبًا من الفقراء، والمتروكين، والمرضى، والمهمَّشين، والأخيرين.
3. هناك حدث في حياته يُظهِر لنا قلبه غير المحدود، والقادر على تخطّي المسافات التي يسبّبها المنشأ أو الجنسية أو اللون أو الدين. وهذا الحدث هو الزيارة التي قام بها في مصر إلى السلطان الملك الكامل، والتي تَطلَّبَت منه جهدًا كبيرًا بداعِ فقره، وقلّة موارده، وبُعد المسافة، واختلاف اللغة والثقافة والدين. فأظهرت هذه الرحلة، التي تمّت خلال تلك الحقبة التاريخية المتميّزة بالحروب الصليبية، عظمةَ الحبّ الذي كان يريد أن يعيشه، ويتوق إلى احتواء الجميع. فأمانته لربّه كانت تتناسب مع حبّه للإخوة والأخوات. ذهب القدّيس فرنسيس للقاء السلطان، وهو يدرك الصعوبات والأخطار، متّخذًا في قلبه نفس الموقف الذي يطلبه من تلاميذه: أي، دون إنكار هويّتهم، عند اختلاطهم “بالمسلمين أو غيرهم من غير المؤمنين […] ألّا يتسبّبوا في خلافات أو نزاعات، بل أن يخضعوا لكلّ مخلوق بشريّ محبّةً بالله”. وهذا الطلب كان استثنائيًا في سياقٍ مثل ذاك السياق. من المؤثّر أن نرى كيف أنّ القدّيس فرنسيس قد دعا، قبل ثمانمائة سنة، إلى تجنّب جميع أشكال العدوان أو الفتنة، وأيضًا إلى عيش خضوع متواضع وأخويّ، وحتى تجاه الذين لا يشاركونهم الإيمان.
4. فهو لم يشنّ حربًا جدليّة ولم يفرض المذاهب، بل نقل محبّة الله. فَهِم أنّ “الله مَحبَّة، فمَن أَقامَ في المَحَبَّةِ أَقامَ في الله وأَقامَ اللهُ فيه” (1 يو 4، 16). وكان بهذه الطريقة أبًا مثمرًا، أيقظ الحلم بمجتمع أخويّ، لأن “الإنسان الذي يقبل الاقتراب من الكائنات الأخرى ضِمنَ مسيرتهم، ليس بهدف الاحتفاظ بهم في مسيرته الشخصية، إنما بغية مساعدتهم على أن يدركوا أصالتهم أكثر فأكثر، وحده يصبح حقًّا أبًا”. كانت المدن، في ذاك العالم المليء بأبراج المراقبة والجدران الواقية، تعيشُ حروبًا دامية بين العائلات القويّة، بينما كانت تنمو في الوقت عينه المناطقُ البائسة في الضواحي المستبعدة. وفيها، نال فرنسيس السلام الحقيقي في داخله، وتحرّر من كلّ رغبة في الهيمنة على الآخرين، وأصبح واحدًا من الأخيرين، وسعى للعيش في وئام مع الجميع. فقد حفّزنا شخصه على كتابة هذه الصفحات.
5. طالما أوليت اهتمامًا للقضايا المتعلّقة بالأخوّة والصداقة الاجتماعية. وقد أشرت إليها مرارًا وتكرارًا خلال السنوات الماضية، وفي أماكن مختلفة. وأردت أن أجمع في هذه الرسالة العامّة العديد من تلك المداخلات وأن أضعها في سياق تفكير أوسع. علاوةً على ذلك، إذا كان مصدر إلهامي في كتابة الرسالة العامة كن مسبّحا أخي برثلماوس، البطريرك الأرثوذكسي الذي دافع بقوّة عن رعاية الخلق، فالذي شجّعني بشكل خاص في كتابة هذه الرسالة، إنما هو شخص الإمام أحمد الطيب الذي التقيت به في أبو ظبي، كي نذكّر العالم أنّ الله “خَلَقَ البَشَرَ جميعًا مُتَساوِين في الحُقُوقِ والواجباتِ والكَرامةِ، ودَعاهُم للعَيْشِ كإخوةٍ فيما بَيْنَهم”. لم يكن مجرّد عمل دبلوماسي بل كان عمليّة تفكير حقّقناها عبر الحوار والعمل المشترك. هذه الرسالة العامّة تجمع وتعرض القضايا الرئيسية التي طرحناها في تلك الوثيقة التي وقّعناها معًا. كما جمعتُ فيها، بلغتي الخاصّة، العديد من الرسائل والمستندات مع تأمّلات تلقّيتها من العديد من الأشخاص والمجموعات حول العالم.
6. لا تهدف الصفحات التالية إلى تلخيص مبادئ المحبّة الأخويّة، بل تتوقّف عند بعدها العالميّ وانفتاحها على الجميع. أقدّم هذه الرسالة العامّة الاجتماعية مساهمةً متواضعة في التفكير من أجل أن نتمكّن، إزاء مختلف الطرق الحاليّة للقضاء على الآخرين أو لتجاهلهم، من أن نتفاعل من خلال حلم جديد من الأخوّة والصداقة الاجتماعية، لا يقتصر على الكلام. وعلى الرغم من أنني كتبت هذه الرسالة انطلاقًا من قناعاتي المسيحيّة التي تحرّكني وتغذّيني، فقد حاولت أن أكتبها بطريقة تفتح التفكير على الحوار مع جميع الأشخاص ذوي النوايا الحسنة.
7. بينما كنت أكتب هذه الرسالة اندلَعَت جائحة فيروس كورونا بشكل مفاجئ وسلَّطَت الضوء على ضماناتنا الزائفة. وأظهرت بوضوح، إلى جانب الاستجابات المختلفة التي قدَّمَتها البلدان المختلفة، عدمَ القدرة على العمل معًا. فعلى الرغم من وجود ارتباطات وثيقة، كان هناك تفكّك جعل من الصعب حلّ المشكلات التي تطالنا جميعًا. إذا اعتقد أحدهم أنّ الأمر يتعلّق بتحسين ما كنّا نقوم به سابقًا وحسب، أو أنّ الرسالة الوحيدة هي واجب تحسين الأنظمة والقواعد الحالية، فإنه ينكر الحقيقة.
8. آمل أن نستطيع، في هذا العصر الذي نجتازه، من خلال الاعتراف بكرامة كلّ إنسان، تجديدَ رغبة عالميّة في الأخوّة بين الجميع. بين الجميع: “هذا سرّ جميل كي نحلم ونجعل حياتنا مغامرة جميلة. لا يمكن لأحد أن يواجه الحياة بطريقة منعزلة […]. إننا بحاجة إلى جماعة تساندنا، وتساعدنا وفيها نساعد بعضنا البعض للتطلّع إلى الأمام. كم هو مهمّ أن نحلم معًا! […] وحدنا قد نرى السراب، الذي به نرى ما هو غير موجود؛ أنّ الأحلام نبنيها معًا”. تعالوا نحلم باعتبار انتمائنا إلى إنسانيّة واحدة، وباعتبارنا عابري سبيل خُلِقنا من اللحم البشريّ نفسه، وأبناءٌ لهذه الأرض نفسها التي تأوينا جميعًا، وكلّ منّا يحمل غنى إيمانه أو قناعاته، وكلّ منّا بصوته الخاص، وجميعنا إخوة.
تابع القراءة بتحميل الملف
-
-
-
مواد قابلة للتحميل
حمل الملف


