الأب أنخل فرناندز أرتيمه,ّالتوجيه الرسوليّ السالسي,سالزيانيات
التوجيه الرسولي لعام ٢٠٢٣
مِثلَ الخميرة داخل الأسرة البشرية
كتابة
الرئيس العام للرهبنة السالسيّة الأب آنخل فيرناندز أرتيمه
موجّه
للعائلة السالسيّة
نُشر في
9 يوليو 2021

-
-
-
-
قبل كل شيء، أحب أن أذكركم أن هذا التوجيه الرسولي لسنة 2023 موجّه لمجموعتين: إلى الأطفال اليافعين والمراهقين والشبيبة الأكبر سنًا أينما وُجدَت عائلة دون بوسكو حول العالم. في نفس الوقت هو موجه لكل المجموعات السالسيّة المدعوة لاكتشاف أو إعادة اكتشاف البُعد العلماني.
كيف يمكن ان يكون موجه لمجموعتين مختلفتين؟ الإجابة بسيطة. على ضوء أكثر ما يميز تربيتنا والروحانية، هدفنا أن نساعد الأطفال الصغار، وأيضًا مساعدة المراهقين والشبّان اليافعين، ليكتشفوا أن كل واحد منهم يمكن أن يكون كالخميرة التي تحدّث عنها السيّد المسيح، مِثلَ الخميرة الصالحة التي تساند “خبز الأسرة البشرية” لتنمو وتكبر. كل واحد منهم يمكن أن يصبح فعّالًا وأن يكون له دعوة حقيقية بجانب المسيح أو كمؤمن صالح بالدين الذي يعتنقه.
هدف عائلة دون بوسكو أن تكون رسالة محفزة وواضحة موجهة لاكتشاف البُعد العلماني في هذه العائلة التي ننتمي لها جميعنا. حيث أن غالبية أعضائها من العلمانيين رجال ونساء من كل البلدان، بحياتهم العلمانية والمسيحية التي تدعوهم ليكونوا خميرة حقيقية للبشرية التي هي بأشد الحاجة لها.
بالنسبة للمكرّسين منا في العائلة السالسيّة، نحن أيضًا مدعوون لنكون “مِثلَ الخميرة في العجين البشرية” وأن نتمتع بخبرة التغنّي بالبُعد العلماني الإنجيلي لهؤلاء الإخوة والأخوات منّا. بالمختصر نحن مدعوون كعائلة لنكمل بعضنا لبعض.
وقالَ يسوع أَيضاً: بِماذا أُشَبِّهُ مَلَكوتَ الله؟
مَثَلُهُ كَمَثَلِ خَميرَةٍ أَخذَتْها امْرَأَة، فجَعلَتْها في ثَلاثَةِ مكايِيلَ مِنَ الدَّقيق حتَّى اختَمَرَت كُلُّها.
(لو ١٣/٢٠-٢١)
الخميرة تعمل بصمت
التخمير يكون بصمت، تمامًا مثل عمل ملكوت الله الداخلي. بالحقيقة، من منّا قادر على سماع الخميرة عندما تقوم بعملها مع الدقيق والعجينة بعد دمجها معهم لتخميرهم؟ هذا يساعدنا أن نفهم كيف يعمل ملكوت الله. يعرض القديس بولس الرسول الملكوت من أعمق نقطة عندما قال: “لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا، بل هو برّ وسلام وفرح في الروح القدس” (رسالة الى اهل روما ١٤/١٧).
هذا عمل الروح الداخلي والمخفي، إنه مِثلَ الخميرة الموضوعة داخل القلب. حيث تتنشط بالعلاقة. كما هو الحال مع الإنجيل.
مَثَلُ الخميرة الذي اختير كموضوع للتوجيه الرسولي لسنة 2023، هو مثال عن الحكمة الإنجيلية العظيمة والأهمية التربوية والتعليمية، يشرح طبيعة ملكوت الله التي عاشها يسوع وعلمها.
هناك تفسيرات لاهوتية عديدة لهذا المقطع. التفسير الذي اخترناه للتوجيه الرسولي لهذه السنة هو على وجه التحديد لعرض الخميرة على أنها صورة عن ثمار ونمو ملكوت الله في قلوب الناس، التي تثري عطية الحياة والدعوة إلى هناك حيث يريدنا الله أن نكون، مُوجّهًا الدعوة للعلمانيين وعائلة دون بوسكو بشكل كامل في العالم.
“قَليلٌ مِنَ الخَمير ِيُخَمِّرُ العَجينَ كُلَّه” (غل ٥/٩). إنه لشيء مفاجئ كيف أن كمية ضئيلة من الدقيق تتضاعف مرتين وثلاث، فقط عند إضافة القليل من الخميرة. يخبرنا الرَبّ أن ملكوت الله يشبه الخميرة التي معها يختمر العجين عند صنع الخبز. هناك شيء مميز جدًا بخصوص الخميرة، هو قدرتها على التأثير الإيجابي على المزيج.
بين المكونات التي نستخدمها لصنع العجين، الخميرة، كما أكد الرَبّ في المثل الإنجيلي، هي ليست بكمية كبيرة، بل على العكس يتم استخدام كمية قليل جدًا، ولكن ما يميزها أنها المكون الوحيد الحيّ القادر على التخمير ولأنها حيّة فلها القدرة على التأثير بالظروف وتحويل دفعة العجين بأكملها.

-
إذًا، يمكن أن نقول بأن ملكوت الله هو: “حقيقة بشرية صغيرة تبدو في الظاهر غير مؤثرة” لتصبح جزءًا منه، يجب أن يكون المرء ذا قلب وديع، لا يؤمن بإمكانياته فقط، بل بقوة محبة الله، بدون القيام بأفعال تجعل منه مهم بعيون العالم، بل ثمينًا في عيني الرَبّ، الذي يفضل التواضع والوداعة. بالتأكيد ملكوت الله يتطلب تعاوننا، لكن قبل كل شيء إنه مبادرة وعطية من الله.
مجهودنا البسيط يبدو صغيرًا أمام مشاكل العالم المعقّدة، لكن إذا دخل هذا المجهود بتضامن من الله، فلا يجب أن نخشى من أية صعوبات. إنَّ انتصار الرَبّ أمرٌ مؤكدٌ: محبته ستجعل كل بذرة خير موجودة على الأرض تنبت وتنمو. هذا ما يدفعنا للثقة والرجاء، بغضّ النظر عن المآسي، والظلم والمعاناة التي نواجهها. بذرة الخير والسلام تَنبت وتنمو لأن محبة ورحمة الله تجعلها تنمو. (صلاة التبشير الملائكي، قداسة البابا فرنسيس 14 حزيران/يونيو 2015)
- ملكوت الله ينمو في عالمنا بين النور والظلام
فخَرجَ الفِرِّيسيّونَ يَتآمرونَ على يسوع لِيُهلِكوه.
فعَلِمَ يسوع فَانصرَفَ مِن هناك، وتَبِعَه خَلْقٌ كثير فشَفاهُم جَميعاً.
ونَهاهم عَن كَشْفِ أَمْرِه.
لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ أَشَعْيا: “هُوَذا عَبْدِيَ الَّذي اختَرتُه حَبيبيَ الَّذي عَنهُ رَضِيت.
سَأَجعَلُ رُوحي علَيه فيُبَشِّرُ الأُمَمَ بِالحَقّ.
لن يُخاصِمَ ولن يَصيح ولَن يَسمَعَ أَحدٌ صوتَهُ في السَّاحات.
القَصَبةُ الـمَرضوضَةُ لن يَكسِرَها والفَتيلةُ الـمُدَخِّنةُ لن يُطفِئَها حتى يَسيرَ بِالحَقِّ إِلى النَّصْر.
وفي اسمِه تَجعَلُ الأُمَمُ رجاءَها”. (متى ١٢/١٤-٢١)
- هنا يسوع بذاته يعمل مِثلَ الخميرة بالعجين بين الناس البسطاء، مع المرضى الذين بحاجة للشفاء “فشَفاهُم جَميعاً ” هذا هو الوجه العلماني للمسيح وسط الناس، حيث لا يوجد تمييز طبقي أو عرقي. حيث يبدون جميعهم متحدين بالفقر والحاجة للمساعدة.
- الحقيقة الأكثر مصداقية عن حياة المسيح هي الرمز الذي هام على كل عظاته. الحقيقة التي تعطي معنى لكل أعماله، باسم “ملكوت الله”. تلخص الأناجيل الإزائية تعليم وكرازة المسيح في هذه الجملة:”تُوبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّمَوات” (مت ٤/١٧). قد وجد هذا القول 122 مرة في الإنجيل منها 90 مرة قالهم المسيح بنفسه. لهذا فمن الواضح ان المسيح بشّر بملكوت الله ولم يبشر بنفسه (K. Rahner).
- بأية حال، فإنَّ الكلمة والإعلان عن الملكوت ليسا فقط المواضيع المركزية لكرازة المسيح، بل هما المحور لمعظم أمثاله وأقواله. الملكوت هو أيضًا محتوى أفعاله التي تشكل جزءًا كبيرًا من خدمته أي صداقته مع جباة الضرائب والخطأة والجلوس معهم على المائدة، وشفاءهم وطرد الأرواح الشريرة منهم.
في الحقيقة يسوع عاش ملكوت الله بملئه عن طريق مشاركته للمهمشين وتعاطفه مع الفقراء والمستبعدين والأقل شأنًا، مُظهرًا بوضوح حُبّ الله غير المشروط للمهمشين. - اليوم نلاحظ أن هناك الكثير من الخير في عالمنا، في الملكوت الذي يتم بناؤه، كما أننا ندرك أن هناك الكثير من الألم والقهر. هذا الألم والحزن هو نتيجة أسلوب حياتنا كأسرة بشرية. لذلك يجب أن نفتح عيوننا وقلوبنا لطريقة عمل الله التي تؤسس الملكوت بطرق خاصة جدًا. فيجب أن نتبنى طريقته في التفاعل والتعاون معه. فلا يمكن أن نفعل غير ذلك، إلا إذا أردنا أن يصبح الملكوت شيئًا “يخصنا” (أمر متعلّق بنا وليس فقط لله).
- بهذا المعنى من المهم النظر إلى أسلوب تواجد ملكوت الله بشخص المسيح كما يصف الإنجيل من خلال كلام النبيّ أشعيا:” لن يُخاصِمَ ولن يَصيح ولَن يَسمَعَ أَحدٌ صوتَهُ في السَّاحات. القَصَبةُ الـمَرضوضَةُ لن يَكسِرَها والفَتيلةُ الـمُدَخِّنةُ لن يُطفِئَها حتى يَسيرَ بِالحَقِّ إِلى النَّصْر. وفي اسمِه تَجعَلُ الأُمَمُ رجاءَها” وسيكون خلاص لكل الأمم ليس فقط إسرائيل، لتجميع أبناء الله المشتتين.
إنَّ الانفتاح العالمي الذي يميزنا كعائلة سالسيّة يتوافق إلى حد كبير مع إنجيل الملكوت. الكنيسة فيها أكثر من 99% من العلمانيين. لنتخيل كيف تصبح النسبة إذا ضممنا العالم كله. العلمانيون العجينة كما أنهم خميرة الملكوت. - في بعض الأحيان إنَّ مساهمتنا الإنسانية أو المجهود الصغير الذي نبذله يبدو غير مهم، لكنه دائمًا ثمين في عيني الرَبّ. لا يجب ولا يمكن أن نقيس مدى تأثير نتائج جهودنا من خلال وضع قيمة على ما نستثمر فيه، الجهد مطلوب منّا، لأن السبب النهائي لكل شيء هو الله، وبنفس الوقت لا يمكن أن نقع بعقدة النقص أو التبريرات الكاذبة عن مدى استحالة الدعوة وبناء الملكوت لأن هذا يعيقنا ويشلّنا.
- بوقوفنا تحت ناظر الله وأمام قلبه، يجب أن نضع صغرنا وتواضعنا مع الضعف. يمكن أن نصنع القليل من “الكثير” المطلوب منا. وكلّ مرة ستكون كافية، لأن الله نفسه ينميها. إنها قوة الله التي تأتي للإنقاذ. الله في النهاية هو الذي يرافق التزامنا وجهودنا كوننا ببساطة خميرة في العجين. بشرط أن نعمل دائمًا باسمه كل ما باستطاعتنا.
- الأسرة البشرية بحاجة لـ…
كل شخص هو مدعو لاكتشاف معنى وجوده، ما يعتبر أمرًا ثمينًا لعيش أسلوب حياة صحيّ وأخويّ ضمن الأسرة البشرية.
إنَّ مَثَل الخميرة والتوجيه الرسولي هذا يقودانا لدخول هذا العالم بتحدياته الكبيرة من خلال ديناميكيات الزمن والتاريخ البشري. تحتاج الخميرة المضافة للعجين وقتها الخاص لتتخمّر. هذا الله يعلّمنا الـ kairos أي أن ندخل في ديناميكية، حيث الزمن أهم من المكان مثل ما قال البابا فرنسيس. خاصة في عالم حيث يخلق التواصل الافتراضي والرقمي موطنًا للشبكات من التواجد الفوري والتفاعلي. من المهم جدًا تعميق معنى الزمن في حياتنا، في طريقة تواصلنا، وعملنا وطريقة تفاعلنا مع بعضنا كأشخاص.
بناء البشرية هي مسؤوليتنا جميعًا.
نحن نعلم كمية الخير التي تحيط بنا لكن بالمقابل نعلم أيضًا الألم الذي لم نستطع تجاوزه بعد في العالم الذي نعيش فيه. البابا فرنسيس يذكرنا بقيمة هذا الشيء عندما قال “يجب على كّل جيل أن يتبنّى نضالات وإنجازات الأجيال الماضية، ويقودها إلى أهداف أسمى، إنها المسيرة. فالخير، وكذلك الحُبّ والعدالة والتضامن، لا يمكن تحقيقهم مرّة واحدة بصورة نهائيّة؛ يجب أن نحقّقهم كلّ يوم. لا يمكننا أن نكتفي بما تمّ تحقيقه في الماضي فنكتف الأيدي، ونستمتع به كما لو أنّ هذا الوضع يدفعنا لتجاهل حالات ظلمٍ ما زال يعاني منها العديد من إخوتنا، وتستحثّنا جميعًا.
لهذا نلاحظ أن الأسرة البشرية هي عائلة ذات احتياجات عديدة:
- بحاجة للعدالة والكرامة للضعفاء والمهمشين (رسالة بابوية عامة في الأخوّة والصداقة الاجتماعية الأرقام ١٥-١٧، ١٨-٢١، ٢٩-٣١، ٦٩-٧١، ٨٠-٨٣، ١٢٤-١٢٧، ٢٣٤)
- بحاجة للحقيقة (رسالة عامة – البابا فرنسيس – نور الإيمان ٢٣-٢٥، رسالة بابوية عامة في الأخوّة والصداقة الاجتماعية ٢٢٦-٢٢٧)
- بحاجة للسلام والأخوّة (رسالة بابوية عامة في الأخوّة والصداقة الاجتماعية ٨٨-١١١، ٢١٦-٢٢١،)
- بحاجة لله (رسالة بابوية عامة في الأخوّة والصداقة الاجتماعية ٥٠-٥١، رسالة عامة – البابا فرنسيس – نور الإيمان ١-٧، ٥٨-٦٠)
- بحاجة للاهتمام بمنزلنا المشترك (رسالة بابوية عامة كنّ مسبّحنا – البابا فرنسيس)
- بحاجة لـ…
لا يجب ان نؤجل الصَلاح الذي يجب فعله اليوم إلى الغد
-
نحن جميعًا كعائلة يوحنّا بوسكو مدعوين كي نكون الخميرة في العجينة البشرية، مسترشدين بهذه الرؤية الديناميكية الإنجيلية للخميرة، نريد تعميق وإدراك ثراء الدعوة الروحية المسيحية للعلمانيين في كل أنحاء العالم الحاضر والعلمانيين الذين ينتمون إلى عائلة دون بوسكو. مثمنين قيمة المواهب الموجودة ضمن المجتمعات والثقافات المختلفة. قوة إيمانهم، وجمال عائلاتهم، وخبرتهم في الحياة والعمل.
- العلماني: هو مسيحي يقدّس العالم من الداخل
هناك عادة خاطئة مرتبطة بفكرة أن القداسة هي فقط للرهبان وليست بتاتًا متصلة بحياتنا العلمانية مع حياتنا العامة. هذا الفصل الذي جرى لم يكن جيدًا عبر التاريخ.
- بدأً من حقيقة أن الله أب لنا، يجعل منّا إخوة وأخوات. من هذه الأخوّة الكونية ينشأ تباعًا التضامن، الشركة والإحسان.
- بتجسّد الابن يتضح أن أي حقيقة زمنية يمكن أن تَكشف سرّ الله.
- بالنظر للإنسان على أنه هيكل للروح القدس، يترتب على ذلك ان الإنسان هو أكثر شيء قيّم للقاء بهذا السرّ ” أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ (١كو ٦/٩) كمان يقول الكتاب المقدس.
من الناحية اللاهوتية تُفهم الطبيعة العلمانية للكنيسة بأكملها من معنى العلاقة بين الكنيسة والعالم، ومن الكهنوت المشترك والنبوءة والملكية، فكل شخص معمد هو عضو في الكنيسة ويجب عليه خدمة العالم وتحقيق خطة الله الخلاصيّة وتحقيق ملكوته. حتى ولو كان كل معمد يمارس هذه العلمانية بطريقة معينة. فيكون هناك مجموعة متنوعة من الخدمات والوظائف، بحسب “الحضور والوضع” في العالم، والتاريخ والمجتمع”. من الحياة العلمانية نفسها، التي مرّت بعدّة حالات خلال دعوة محددة في العائلة والمهمة المهنية للفرد في العالم. العلمانية، وبالأخص العلمانيين المسيحيين، في عائلة دون بوسكو، هم مدعوون لنشر وترسيخ قيم الإنجيل في المجتمع والتاريخ، أي المساهمة في تكريس العالم لنشر ملكوت الله هنا والآن.
على أية حال، سيكون من الخطأ الفادح الاعتقاد أننا عندما نتحدث عن العلمانية كخاصية للكنيسة، بأن نشير فقط إلى جزء من أعضاء الكنيسة، أي إلى العلمانيين، مثل إذا لم يكن لدعوات التكريس الخاص وأولئك الذين تلقوا تكريس الخدمة الكهنوتية “بُعد علماني”. من خلال الاعتراف بكرامتهم (أي العلمانيين)، تتضح وظيفتهم داخل الكنيسة نفسها وبالتالي حاجتهم إلى الكنيسة. ويرى المجمع الفاتيكاني أن مهمة العلمانيين هي في “إدارة الأمور الزمنية وترتيبها” وفي “بناء وتقديس العالم من الداخل”. إن العلمانيين مدعوون إلى “جعل الكنيسة حاضرة وفاعلة في تلك الأماكن وفي تلك الظروف التي يمكن أن تصبح فيها فقط من مثل ملح الأرض”. في وجه العالم اعتراف كامل بحاجة الكنيسة للمؤمنين العلمانيين. وبهم تصل إلى أماكن لا يمكنها الذهاب إليه بطريقة أخرى.
إذا تم إخبارنا أن أحدًا قادم إلى منزلنا، نخرج وننتظره. هذا هو التصرف المطلوب من المسيحيين الذين يَعلمون بزيارة الروح المستمرة بعمق للنفس. “العيش من أجل الله” تعني أن يكون لديك موقف الباحث عن كل ما هو غني بالبشرية. لأن كل ما هو بشري هو إلهي. العيش من أجل الله يعني أن تكون مخلصًا للاكتشافات. ومَلء العالم بالمفاجآت “مفاجآت الله”. والعمل من خلال نشر الرغبة في استعادة النظام المضطرب لأننا كثيرًا ما جعلناه طِبقًا لأفعالنا البشرية.
- عائلة دون بوسكو مدعوة لأن تكون الخميرة
توضّح لنا إحدى المواقف التي حصلت في تاريخنا السالسيّ بشكل خاص يوم 24 حزيران/يونيو عام 1855، في الأوراتوريو حيث جرى احتفال مزدوج:
في ذلك الوقت كانت مدينة تورينو كلها تحتفل وتكرّم شفيع المدينة (القديس يوحنّا المعمدان) وكان هناك الكثير من البهجة المفرحة. وقد صادف ذلك اليوم ذكرى اسم الأب يوحنّا بوسكو. حاول الجميع إظهار المودّة، ويوحنّا قابل هذا الأمر بقلب رحب.
في مساء 23 حزيران/يونيو عام 1855 أخبر شبّانه: “أعلم بأنكم تريدون الاحتفال بي غدًا، بدوري، أريد أن أعطيكم الهدية التي تقتم إليها. لذلك ليكتب كل منكم على بطاقات ما هي الهدية التي يريدها، انا لست غنيًا لكن إن لم تطلبوا منّي القصر الملكي، سوف أفعل كل شيء لإرضائكم”.
عندما قرأ البطاقات. وجد دون بوسكو بعض الطلبات الجادة والبعض الآخر الغريبة. البعض طلب مئة غرام من التورون (حلويات محليّة) كي تكفيه كامل السنة، وشخص آخر قام بطلب جرو بدل الجرو الذي تركه بالمنزل. يوحنّا رودا Roda صديق دومنيك سافيو، طلب بوقًا مثل بوق الفرقة النحاسية في الجيش لأنه يريد أن يدخل الفرقة الموسيقية. عوضًا عن هذه الطلبات كان طلب دومينيك سافيو، وهو عبارة عن ست كلمات:”ساعدني كي أصبح قديسًا”
نادى دون بوسكو الفتى وقال له: “عندما تقوم أمك بصنع الكعكة، فإنها تستخدم وصفة تحدد فيها الكميات المتنوعة التي يجب خلطها: السكر، الدقيق، البيض، الخميرة… لكي تصبح قديسًا أنت أيضًا تحتاج إلى وصفة. وسوف أعطيك واحدة كهدية. تتألف من ثلاث مكونات يجب أن تدمجها معًا:
أولًا: الفرح. الأشياء التي تتعبك وتأخذ سلامك الداخلي ولا تُسعد الرَبّ، انزعها.
ثانيًا: واجباتك الدراسية والصلوات. ركز في المدرسة وكن ملتزمًا بالدراسة، وصلِّ بفرح عندما تُدعى لذلك.
ثالثًا: أن تفعل الخير للآخرين: ساعد أصدقاءك إذا احتاجوك، حتى ولو كلفتك بعض الجهد والمتاعب.
فكر دومنيك بذلك. أول مكونين يبدو أنهما معه بالفعل. بالنسبة لصنع الخير للآخرين عليه أن يفعل المزيد تجاه هذا الموضوع، فكر بذلك، وابتكر طرقة، ومنذ ذلك اليوم ثابر على المحاولة.
مثل وصفة الأم للكعكة التي تحوي سكر ودقيق وبيض وبعض الخميرة… منح دون بوسكو شبانه الوصفة الخاصة بالقداسة، بشكل خاص دومنيك سافيو (ليلة 24 حزيران/يونيو 1855) تضمنت: الفرح والقيام بالواجبات اليومية والصلاة وفعل الخير.
برنامج كامل لتكون الخميرة التي يجب أن تكون في المنطقة الصغيرة التي وضعنا الله بها.
نحن خلقنا بشكل كاريزمي كجماعة ومشاركين للناس من مختلف الطبقات الاجتماعية، وحالات، وحياة مهنية… متحدين بالدعوة نفسها ومدفوعين بنفس الدافع الكاريزمي الذي عرف دون بوسكو كيف يوصله. هذه طبيعة الأوراتوريو في سنوات نشأته من عام 1841 حتى عام 1859: هذه الـ 18 سنة. لا تزال المسودة الأولى للدستور السالسيّ والذي يعكس بقوة هذا التآزر بين شعب الله الذي يتعاون بطرق مختلفة لجعل الشباب الأكثر عرضة للخطر “مسيحيون صالحون ومواطنون شرفاء”. لا يمكن إنكار أننا ولدنا على الفور كجزء من شعب الله: إنها طبيعة موهبتنا ورسالتنا.
أنا أدرك وأحاول أن أحمل هذا الإدراك عن حقيقة معينة واضحة لعائلتنا السالسيّة بأجمعها المدعوة لتكون خميرة حقيقية في عالمنا اليوم، في أسرتنا البشرية اليوم: فقط معًا وفقط في المشاركة يمكن أن نفعل شيء ذو أهمية اليوم.
لقد دعوت الرهبنة السالسيّة بأجمعها للنظر للرسالة المشتركة مع العلمانيين (دعوة لكل عائلة دون بوسكو) لأن عدم الإصغاء لهذه الدعوة سوف يقودنا إلى مستقبل ليس ببعيد لوضع خطير لا مهرب منه. لقد قلت ذلك: “قام المجمع العام الخاصة بنا GC24 بتأكيد الاستجابة الكاريزمية لتعليم الكنيسة في الشركة الذي عبّر عنه المجمع الفاتيكان الثاني. نحن نعلم جيدًا أن دون بوسكو، منذ بداية رسالته في فالدوكو، أشرك العديد من الأشخاص العلمانيين والأصدقاء والمعاونين حتى يتمكنوا من المشاركة في مهمته بين الشباب. على الفور “أثار المشاركة والمسؤولية المشتركة من جانب رجال الدين والعلمانيين والرجال والنساء. لذلك، على الرغم من مقاومتنا، فهي نقطة اللاعودة، لأنه، بالإضافة إلى التوافق مع تصرفات دون بوسكو، فإن النموذج التشغيلي للرسالة المشتركة مع العلمانيين الذي اقترحه المجمع GC24 هو في الواقع “النموذج الوحيد الممكن عمليًا في الظروف الحالية”.
أعتقد أنه عنصر قيّم ليس فقط للإعجاب بأبينا، ولكن لتعزيز الإمكانات لمثل هذا التواجد واسع النظر في عالم الشباب الذي نملكه، عندما نقوم معًا بتشجيع كل أولئك الذين يتشاركون نفس الإيمان بالشباب اليافعين كَحَل، وكإجابة لحاضر ومستقبل العالم، أكثر منه مجرد رؤيتهم (وربما الخوف منهم) كمشكلة.
لم ينخرط دون بوسكو في السياسة، لكن كان بإمكانه التحدث إلى جميع ممثلي مختلف مستويات الحكومة لأن التزامه كان موجها بشفافية نحو خير الشباب. صوتنا المشترك لخير الشبيبة يمكن أن يجد آذان صاغية حتى بعيدًا عن الحدود الطائفية، إذا جسدنا اليوم نفس حماسة دون بوسكو في رعاية الشباب اليافعين. وهذه طريقة تواجد الكنيسة في العالم ومع المهمّشين من العالم، فهي تتماشى كثيرًا مع التعليم الكنسي الحالي. إنها طريقة للكنيسة لا يمكن تحقيقها إلّا معًا كعائلة دون بوسكو.
الطبيعة التكميلية للدعوات في عائلة دون بوسكو.
أصبح واضحًا بشكل متزايد أنه حقًا إذا أراد شخص ان يُحدث تأثير فعّال مرتبط بتعليم اليافعين، فالالتزام ومشاركة المسؤوليات لكل فرد امر مهم جدًا ولا يمكن الاستغناء عنه.
كوننا معًا كعائلة سالسيّة، ولأننا معًا مع العديد من العلمانيين في الوجود العالمي من أجل الرسالة والتكوين، يصبح مطلبًا لا مفر منه للرسالة. هذا أمر يجب ان نفعله لكي نُحدث تغييرًا.
الشركة بروح الأسرة والحركة السالسيّة الواسعة
يوجد مجالات عدّة لعيش الشركة، حيث أننا بأجمعنا في نفس القارب وبحاجة لإعادة تكوين، مثلًا في الأمور المتعلقة بالعالم الرقمي المتصلة بالأجيال الجديدة أو المجال الواسع الذي لا مفر منه المتعلّق بالمناخ.
جميعنا لدينا شيء لنتعلمه، إذا أصبح مسارًا مشتركًا عندها يصبح لنا تأثير أكبر ومرتبط بالواقع. الديناميكية التي أُنشِأت خلال عملية التربية أيضًا تحوّل طريقة أداء الرسالة والتكوين معًا. إنه النوع الجديد من الدعوة الذي يجعلنا كالخميرة التي تتوقّعها منّا الكنيسة، والعالم والشبيبة. نحن لم نصل بعد لهذا المستوى، فقد تغيرت العجينة، نحن مدعوون مرة أخرى لنكون ما قد دُعينا لأجله، ويمكن فعل ذلك معًا فقط بنفس ديناميكية البداية.
دون بوسكو لم يكن يملك كل المهارات والمعرفة، فقد تَكوّن هو والعمانيين معًا. بدون العلمانيين مثل ماما مارغريتا والآخرين من ذلك الوقت، وبدون شبّانه، ودومنيك سافيو، الاسم الأكثر شهرة لا كان دون بوسكو ولا كنا نحن الذين أتينا بعدهم.
- تحت ظل شجرة كبيرة ذات ثمر جميلة
في رسالتي التي كتبتها في ختام الفصل الثاني لأيام الدراسة حول التطويب والتقديس في العائلة السالسيّة، قُلتُ: من أيام دون بوسكو إلى أيامنا هذه نلاحظ “تقليد القداسة” الذي يجب أن نوليه اهتمامنا، منذ تجسيد الكاريزما التي كانت متأصّلة فيه والتي وجدت تعبيرها بحالات مختلفة للحياة وفي أشكال مختلفة، تثير تساؤل الرجال والنساء، اليافعين والراشدين، المكرّسين والعلمانيين، أساقفة ومُرسَلين في السياقات الاجتماعية والتاريخية والثقافية، مختلفين في الزمان والمكان، جعلت الكاريزما السالسيّة تشعّ بشكل خاص. هذه الكاريزما قَدّمتْ تراثًا لا يزال يملك دور مؤثّر في الحياة والمجتمعات للمؤمنين وللرجال والنساء ذوي النية الحسنة.
بكل تواضع وشعور عميق بالامتنان، نحن ندرك أنه في الرهبنة السالسيّة شجرة عظيمة مع ثمار عدّيدة من القداسة. هؤلاء القديسون من يافعين وعلمانيين وشهداء… هم أشخاص ملؤوا حياتهم بخميرة الحبّ، ذاك الحبّ الذي يبذل ذاته حتى النهاية، مخلصين للربّ يسوع وإنجيله.
شجرة ضخمة بثمار جميلة من القداسة مثل:
- زيفيرينو نامونكورا Zeferino Namuncurá، لاورا فيكونيا Laura Vicuña، ألبيرت ميرافيليا Alberto Marvelli، دومينيك سافيو Domenico Savio، أليسندرا دي كوستا Alessandrina da Costa، أتتيليو جورداني Attilio Giordani، الشبان شهداء بوتسنام Poznam، والشاب بَشير من باكستان، والمحسنة دوروتي Dorotea Chopitea.
- لا حاجة للتحدث عن المثال الجميل لماما مارغريتا، وكأنّ القداسة شيء بمتناول اليد، قداسة الأم التي صاغت قلب ابنها يوحنّا، التي رافقت هذه الكاريزما، وذلك بدون علمها وبطريقة بسيطة من خلال وهب حياتها التي عاشتها.
- دعونا لا ننسى آرتيميد زاتي في سنة تقديسه، لقد كان مكرّساً، وقد عاش المحبّة ببساطة بمشفى صغير في قرية فقيرة. إنه مثال ونموذج للقداسة أمام الناس في أعمالهم اليومية فقد اتخذ الرَبّ كمصدر ودافع للإيمان وهدف لحياته.
- حياتهم كلّها كانت “مِثلَ الخميرة في العجين”.
- شبابنا كالخميرة في عالم اليوم
- كل فعل يقوم به الإنسان من أجل خير المجتمع والناس وكل فعل مرتبط بتدبير الله في العالم، يتطلب تعاون بمحبّة مع الرسالة. خاصة في السياق السالسيّ. كل ما يتعلق بخير الشباب وتمنياتهم المتكاملة يحمل في طياته بذور الإنجيل. حتى كأس الماء الـمُعطى باسم يسوع. لذلك تأتي الحاجة للإصرار على الروحانية الشبابية الخاصة بالحركة السالسيّة وتعزيزها. والتي تمس بشكل كامل البُعد الرسولي وخبرة الإيمان في كل ما يتم تحقيقه بروح دون بوسكو. والذي يولّد الالتزام والتضامن وبناء الشراكة والمجتمع مع الشباب رواد وهدف الرسالة السالسيّة في عالم اليوم.
- أن نكون خميرة في عالم اليوم هو أمر جدّي جدًا ومتناغم مع التوجيه الرسولي عام 2020 فيما يتعلق بالمشاركة السياسية والتنشئة لهذا الغرض. فهذه المشاركة نشأت من التقليد الغني بالتعليم الاجتماعي للكنيسة. حيث قال قداسة البابا بولس السادس: “إنَّ السياسة هي أعلى أشكال المحبّة”. لكن لسوء الحظ يوجد في مختلف أنحاء العالم فراغ تربوي جسيم في هذا الشأن. فبالحديث عن العلمانيين إنهم خميرة، لا يمكن التغاضي عن هذا العنصر الأساسي. لدينا أمثلة ممتازة من عائلتنا (ألبيرت ميرافيليا) أو جورجو لا بيراGiorgio La pira، جوليوس نيرير Julius Nyerere.
دعوني أنهي بأن أؤكد لكم بأنَّنا كعائلة سالسيّة نرغب بأن نكمل المسيرة جنبًا إلى جنب مع شبابنا في جميع أنحاء العالم. دون أن ننسى أن الخميرة هي” المسيح الذي يحيا. هو رجاؤنا، وهو الشابّ الأجمل في هذا العالم. وكلّ شيء يلمسه يصبح شابًّا، ويصبح جديدًا، ويمتلئ بالحياة. بالتالي، إن أوّل كلمات أودّ أن أوجّهها لكلّ الشبيبة المسيحية هي: إنّه حيّ ويريدك أن تكون حيًّا!”.
البابا فرنسيس حساس جدًا ومهتم بوضع الشباب ومنفتح على رؤية تعاون الأسرة البشرية على بناء مجتمع أكثر إنسانية وأخوّة. يدعونا إلى “تصوّر وإيجاد عالم منفتح” ويوجّه نداءًا قويًّا للبحث عن الحقيقة والسعادة في الحياة. الطريقة الوحيدة هي أن يُحِبَّ كل واحد قريبه وأن يخدم الآخرين بكَرَم لأنّه “في عمق كل قلب (ذلك) الحُبّ يخلق الروابط ويوسّع الوجود، حيث ينطلق الناس خارج ذواتهم باتجاه الآخرين.
مع أمل عظيم وثقة أدعو كل عائلة دون بوسكو وخاصّة العلمانيين من أبناء هذه العائلة والكثير من الأشخاص الذين ينتمون للحركة السالسيّة للاستجابة بشكل مُبدِع ملموس وبكل الطرق الممكنة، لهذا الطلب المتواضع في التوجيه الرسولي لسنة 2023 لنكون فعلًا خميرة، مِثلَ خميرة الإنجيل التي يذكّرنا بها ملكنا الرَبّ يسوع.
-
-
-


