مواضيع تربوية,مواضيع شبابية
أن ألقاكَ بالنظر في عينيك
نظرة حبّ واهتمام
كتابة
عن مجلة السالزيان الدورية نقلها للعربية الأب السالزياني بشير سكر
موجّه
للجميع وخاصة للعائلات
نُشر في
10 يوليو 2023

تتضاءل في الأسرة فرص التقاء أفرادها بالنظرات. هناك إحصائية تفيد بأن متوسّط الزمن الذي يقضيه ولي الأمر مع ابنه المراهق يقارب الاثنتي عشرة دقيقة في اليوم.
حتى وجبة العشاء لم تعد تجمع الأسرة سوياً لسبب مشاغل أفرادها المتعددة، بالإضافة إلى الأذواق المختلفة في اختيار البرامج المتلفزة.
ومن الاثنتي عشرة دقيقة المخصصة للابن أو الابنة المراهقَيْن هناك عشر دقائق تُستَهلك لإعطاء الإرشادات أو للتأكّد من تنفيذ تلك المعطاة في اليوم السابق، والدقائق المتبقّية تُستنفَذ في مسائل واهية…
هناك شبه ابتهال شهير يقول: ” آه! حبّذا لو تحوّلتُ إلى تلفاز…لكان والداي سيضطرّان إلى النظر إليّ وقتاً أوفر…”
اللقاء بالنظر في العينين هو التحديق في عينَي الشخص. معظم الناس لا يفهمون كم هو حيوي هذا النوع من اللقاءات… مع أننا كلّنا نتضايق ممّن يحادثنا ونظراته موجّهة إلى عدة اتجاهات ولا يحدّق نظره في عينَينا وهلة واحدة. الإنسان يحتاج إلى أن أوجّه نظري إليه… وإلّا فما معنى كل ذلك العناء للتفنّن في الملبس والهيئة والقوام سوى استقطاب أنظار الآخرين؟؟ أضف إلى ذلك من يزاولون ثقب ووشم أجسادهم وما يعتمده الشبان من أغرب “الصيحات” وكأنها كلها تنادي: ” انظروا إليّ! ”
اللقاء وجهاً لوجه هو أساسيّ للأطفال ليس فقط للتواصل وإياهم وإنما لإشباع احتياجاتهم العاطفية. الطفل يلجأ إلى اللقاء وجهاً لوجه بذويه ليشبع احتياجه العاطفيّ. العينان تبثّان الحب. إنها لغة العاشقين… نظرة الوالدين تحمل في طيّاتها الحب والاهتمام العمليّ والتقدير والتفهّم. الابن يضاعف اجتهاده عندما يحسّ بنظرات والديه أو معلّميه تتابعه بحنان. من المؤسف أن كثيراً من الوالدين يجهدون أنفسهم في أمور كثيرة لصالح أبنائهم وينسون إهداءهم حنان “نظراتهم”.
أصبح من المؤكّد أن نظرة التعاطف والتشجيع من قِبَل المعلم تزيد اجتهاد التلميذ وتساعده على استيعاب ما يقال له بشكل أفضل.
خلاصة القول، إن إهمال اللقاء وجهاً لوجه هو ضرر إنساني غير طفيف وينمّ عن سلوك عديم المسؤولية. وممّا يزيد الطين بلّة هجمة الاتصالات الرقمية التي لا رادع لها والتي تعتبر خطراً داهماً، فالهاتف الذكيّ يسهّل التواصل لكنه لا يتيح اللقاء الطبيعي وجهاً لوجه:
- فالمتواصلون إلكترونياً لا يستطيعون أن يستشعروا حرارة التجاور والتلاحم البصري.
- هناك استنتاج أن الأجيال الجديدة كثيرو التحادث إلكترونياً غير أنهم فقدوا احمرار الخجل ولديهم صعوبة في التحديق وجهاً لوجه، وهذا نوع من العجز على الصعيد الإنساني.
- في المعتقلات النازية كان محرّماً على المحتجزين أن ينظروا الى الحراس وجهاً لوجه لئلّا ينتاب الحراس إحساس بالرأفة فتنحسر قسوتهم تجاه الأسرى.
اللقاءات الفاشلة:
كل ما تناولناه حتى الآن يبدو بديهياً، لكن هذا غير صحيح، فليس كل لقاء وجهاً لوجه يحمل قيمة إنسانية. هناك لقاءات تعطّل النمو الإنساني وأخرى تساهم في تحفيزه:
- “نظرة الشرطي” التي يستخدمها بعض الأهالي لمراقبة كل تحركات الأبناء، أضف إلى ذلك سعيهم إلى إثقال كاهلهم بملاحظاتهم المتكرّرة وبمحاسبتهم بعد كل خطوة يخطونها… نظرة الشرطي هذه لا تساعد على نموّ الأبناء أو التلاميذ، قد تصنع إنساناً منضبطاً لكنها لن تنتج إنساناً مهذّباً.
- نوع آخر هو “نظرة التهديد” الصاعقة. “حدّق في عينيّ جيداً” يصرخ بعض الأهل وهم ينسون أن التهويل لم يساعد أحداً على النمو لكنه يحول الناس الى أقزام.
- النوع الثالث من اللقاء وجهاً لوجه، وهو الأسوأ على الإطلاق، هو “نظرة اللامبالاة”. اللامبالاة سلوك لا يطاق، يشلّ الحيوية، يُفقد الرغبة في البقاء. اللامبالاة هي الشقيق التوأم للوحشية.
اللقاءات الإيجابية:
- “النظرة الكريمة”، تلك التي تولّد لقاءً ايجابياً. إنها تبصر ما لا يراه الغير… كان رأي أحدهم في فنانة أنها مدهشة، فاعترض صديقه قائلاً: ” ولكن، ألم تلاحظ أن لديها عيناً أصغر من الأخرى؟ “. ” لا، أجاب الآخر، بل هي تملك عيناً أكبر من الأخرى! “. هذا الإحساس الإنساني يملكه أصحاب النظرة الكريمة الذين يؤكّدون ما صرّح به الكاتب الشهير فرنسوا مورياك: ” عندما تحب إنساناً فأنت الوحيد الذي يكتشف فيه معجزات لا يراها الغير “.
- اللقاء وجهاً لوجه من خلال “نظرة تشجيع”، وهو دون شك ما يحفّز ويدفعك الى التحليق عالياً.
- اللقاء وجهاً لوجه من خلال “نظرة ترحيب”، وهو ما يغمرك بسيل من الحب والحنان.
لقاءات وجهاً لوجه بهذه الميزات تحمل طاقات من الأَنْسَنة تتجاوز قيمة ملايين من اللقاءات الرقمية الإلكترونية مجتمعة كلّها معاً.


