مربي استثنائي للغاية

دون بوسكو عظيمٌ في مشاريعه المختلفة: كاتبٌ، وبانٍ للكنائس، ومؤسِّسُ رهبنتين، ورجلُ عجائب، ومبتكِرُ منهجٍ تربويٍّ فعّالٍ وخلاّق، بل وصاحبُ روحانيّةٍ خاصّةٍ طرحت القداسةَ هدفًا للأسلوب التربويّ.

إنّ التفاعلَ بين القداسةِ والتربية هو أبرزُ مميّزاتِ شخصيّةِ دون بوسكو. إنّه المربّي القدّيس الذي استوحى من القدّيس فرنسيس السّالسينموذجًا اقتدى بقداسته، وكان تلميذًا لمرشدٍ روحيٍّ قدّيس هو الأب جوزيف كافاسّو، ومن تلاميذه نشأ التلميذُ القدّيس دومينيك سافيو.

الأسلوبُ الوقائيّ

ليس بمعناه اللغويّ الضيّق، بل بمعناه الشامل، أي خلقُ أو توفيرُ جوٍّ ملائم، بحيث لا يختبر الفتى خبراتٍ سلبيّة قد تُشوِّه طاقاته الخُلقيّة والاجتماعيّة والعلميّة، وتُجبره لاحقًا على بذل جهودٍ طويلة للتخلّص منها.

(ويتجلّى ذلك بوضوح في تأثير زيارات دون بوسكو الأولى للسجون).

وتتضمّن كلمة «وقائيّ» طُرقَ التربية الإيجابيّة، والاختباراتِ الجذّابة، والتوجيهَ الدائم نحو الخير.

ويفترض هذا الأسلوب اقتناعَ المربّي بوجود طاقاتٍ خيّرة في كلّ فتى، متى أُحسِنَ تحريكُها وتوجيهُها بصورةٍ ملائمة. ومن ركائزه:

  • اكتشافُ الوتر الحسّاس لدى الفتى،

  • التفاؤل،

  • مركزيّةُ الولد أكثر من مركزيّة النظام،

  • تلبيةُ حاجته إلى مدرسة، وإلى ملعب، وإلى اكتشاف الله.

وهو، في جوهره، طريقةٌ عمليّة في التربية، تقوم على:

الاهتمام، واللُّطف، والأعمالِ الحسّيّة الملموسة.

ثلاثة أركان لأصول التربية السالسيّة

العقل

تشملُ هذه الكلمةُ النظرةَ المسيحيّةَ الإنسانيّةَ الأصيلة إلى قيمةِ الشخص، والضمير، والطبيعةِ الإنسانيّة، والثقافة، ومجالِ العمل، والحياةِ الاجتماعيّة.

ليس النظامُ هو الهدف! بل الهدفُ أن يفهمَ الطفلُ أو الشابُّ لماذا يكونُ النظامُ مفيدًا، وما هي أهميّةُ معنى الاجتهاد والصفاتِ الإنسانيّة السامية الأخرى.

ويقوم هذا النهج على تكرارِ التنبيه، مع عدم استعمال العقاب، وتجنّب الإذلال أو التنبيه العلنيّ. فالقصاصُ ليس غايةً بحدّ ذاته، بل ما نجعله نحن قصاصًا؛ إذ إنّ نظرةً قاسية قد تفعل فعلَها أكثر من الضرب. فالمديحُ عند النتيجةِ الحسنة، واللومُ عند التقصير، هما مكافأةٌ أو عقوبةٌ بحدّ ذاتهما.

كما ينبغي تجنّب توجيه التنبيه إذا كان ناتجًا عن انفعالٍ أو غضب، وتأجيلُه إلى الوقت المناسب، حيث يكون أكثرَ فاعليّةً وأعمقَ أثرًا.

الدين

هدفُه أن يجعلَ من الشّباب «مسيحيّين صالحين ومواطنين شرفاء».

إنّه إيمانٌ حيٌّ راسخُ الجذور، يقوم على الحضورِ والمشاركةِ والإصغاءِ والنعمة. وتقومُ أسُسُ هذا الأسلوبِ التربويّ على سرَّيِ التوبةِ والإفخارستيا، وإكرامِ مريمَ العذراء، ومحبّةِ الكنيسةِ ورعاتها.

ويُعتَبَر هذا الأسلوبُ صالحًا أيضًا لغير المسيحيّين.

المودّة

إنّ التربيةَ تنطلقُ من القلب، وتتطلّبُ الانصرافَ الكلّيَّ لخيرِ التلاميذ، والحضورَ الدائمَ بينهم، والاستعدادَ لقبولِ جميعِ التضحيات لإنجازِ الرسالة. أي التفرّغَ التامَّ للشّبيبة، والتعاطفَ العميقَ معها، والحوارَ والاستعدادَ الدائم. كما تشملُ المشاركةَ في حياةِ الشّبيبة، والاهتمامَ بمشاكلهم، ومحاولةَ فهمِ نظرتهم إلى الأمور، واتّخاذَ موقفِ الصديقِ الناضجِ والمسؤول الذي يفتح أمامهم آفاقًا جديدةً وأهدافًا سامية، إضافةً إلى الاستعداد الدائم لشرحِ المشكلات والإرشاد إلى أفضلِ المعايير، بجزمٍ وحذرٍ ومحبّة.

باختصار: حضورٌ تربويٌّ «كأبٍ، وأخٍ، وصديق».

إنّه عطفٌ مقرونٌ بالفرح، وإشرافٌ لا يَشُلّ الحركة، ومشاركةٌ في اللعب.

فترةُ الشّباب ليست مرحلةً انتقاليّةً فحسب، بل زمنُ نعمةٍ حقيقيّةٍ لنموّ الشخصيّة، مع التركيز على ضرورةِ تربيةِ الضمير، وتنميةِ الحسّ العائليّ والاجتماعيّ والمدنيّ، إذ إنّ الشّبابَ هم رُسُلُ الشّباب.

ومهما تغيّرت الأوضاع، تبقى طموحاتُ الشّبيبةِ العميقة ثابتة:

الحبّ، والحياة، والعاطفة، والانفتاح، والفرح، والحرّيّة، والمستقبل، والتقدّم الإنسانيّ…